الشنقيطي

114

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

الثاني : أن معنى الآية : أنت يا محمد صلى اللّه عليه وسلم منذر ، وأنا هادي كل قوم . ويروى هذا عن ابن عباس من طريق العوفي وعن محمد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد . قاله ابن كثير . وعلى هذا القول فقوله وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ يعني به نفسه جل وعلا ، ونظيره في القرآن قوله تعالى وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [ فاطر : 14 ] يعني نفسه . كما قاله قتادة . ونظيره من كلام العرب قول قتادة بن سلمة الحنفي : ولئن بقيت لأرحلن بغزوة * تحوى الغنانم أو يموت كريم يعني نفسه . وسيأتي تحرير هذا المبحث إن شاء اللّه في سورة القارعة : وتحرير المعنى على هذا القول : أنت يا محمد منذر وأنا هادي كل قوم سبقت لهم السعادة والهدى في علمي ، لدلالة آيات كثيرة على أنه تعالى هدى قوما وأضل آخرين ، على وفق ما سبق به العلم الأزلي ، كقوله تعالى إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [ النحل : 37 ] . الثالث : أن معنى وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أي قائد ، والقائد الإمام والإمام العمل . قاله أبو العالية ، كما نقله عنه ابن كثير . وعلى هذا القول فالمعنى : ولكل قوم عمل يهديهم إلى ما هم صائرون إليه من خير وشر ، ويدل لمعنى هذا الوجه قوله تعالى هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [ يونس : 30 ] على قراءة من قرأها بتاءين مثناتين بمعنى تتبع كل نفس ما أسلفت من خير وشر . وأما على القول بأن معنى : قتلوا ، تقرأ في كتاب عملها ما قدمت من خير وشر فلا دليل في الآية . ويدل له أيضا حديث « لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت » « 1 » الحديث . الرابع : وبه قال مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيدان : المراد بالقوم الأمة والمراد بالهادي النّبي . فيكون معنى قوله وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أي ولكل أمة نبي ، كقوله

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الأذان والجماعة حديث 806 ، والرقاق حديث 6573 ، ومسلم في الإيمان حديث 199 .